مصطفى صادق الرافعي
187
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
أشياء من مثل ذلك ؛ فرارا من الإلزام ودفعا لحجته ، وإن كان المعنى في نفسه واضحا مكشوفا ، والبرهان طبيعة قائمة معروفا . بيد أن طريقة البلاغة إنما يراد بها تحقيق المعنى ، واستبراء غايته ، وامتلاخ الشبهة منه ، وأخذ الوجوه والمذاهب عن النفس من أجزائه التي يتألف منها ، بعد أن تستوفى على جهتها في الكلام استيفاء يقابل ما يمكن أن تشعر به النفس من هذه الأجزاء ، حتى لا تصدف عنه ، ولا تجد لها مذهبا ولا وجها غير القصد إليه ؛ فيكون من ذلك الإلزام البياني الذي توحيه طبيعة المعنى البليغ وكان حتما مقضيا . وهذا غرض بعيد وعنت شاقّ لا تبلغ إليه الوسائل الصناعية مما يتخذ إلى إجادة الكلام وإحكام صنعته البيانية ، وإنما يتفق لأفراد الحكماء ودهاة السياسة ما يتفق منه ، وحيا وإلهاما ، وإنما يلقّونه على جهة التوهم النفسي الذي تتخلّق منه خواطر الشعراء ؛ فنحن نعرف علما وتجربة أن الشاعر قد يعالج المعنى البكر ، ويريغ الوجه المخترع ، فيكدّ في تمثل ذلك حتى يتسلط أثر الكدّ على فكره ، ويضرب الملل على قلبه ، ويصرفه الضجر ؛ ثم لا يعطيه كلّ هذا طائلا ، ولا يرد عليه حقا من المعنى ولا باطلا ، وما فرط ولا أضاع ولا قصّر ولا استخفّ ، ولا كان في عمله إلا من وراء الغاية ، وقد تقع إليه في تلك الحال معان كثيرة تفترق وتلتقي ، ولكن ليس فيها المعنى الذي من أجله نصب وإليه تأتّى ، فيضرب عنه بعد المحاولة ، ويقصر بعد المطاولة حتى إذا استجمّت خواطره ، واستحدث منها غير ما كان فيه ، وتلقّى جهة أخرى من الكلام ؛ وقع إليه ذلك المعنى بعينه ، وجاءه عفوا بلا تكلف ، وهو لم يعاوده ولا قصد إليه ، وقد كان بلغ منه كلال الحدّ واضطراب الحسّ مبلغ الرّهق والمعاناة ؛ وإنما ألهمه في تلك الحال إلهاما ، فعاد ما لم يمكن بكل سبب ، ممكنا بغير سبب ! . وربما أراد الشاعر معنى من هذه الخواطر النادرة ، فلا يكاد يبتدئ التفكير فيه أو يهمّ بذلك ، حتى يراه قد حصل في نفسه وهو لمّا يتمثل أجزاءه ولا استتم تصورها . ولا كان إلا أنه أراد ما اتفق ، واتفق له ما أراد . ودع عنك أقوال الفلاسفة من علماء النفس وغيرهم ، وما يعتلون به لمثل ذلك من أعمال الدماغ ؛ فلو أن فيهم شاعرا لأفسد عليهم ما تأولوه واستخرج من رأسه الحقيقة ، فإنما الشاعر ملهم ، وكأنما تحدّث نفسه في بعض أطوارها العصيبة من جهة الغيب . وإذا رجعنا إلى العقل ورأيه في استبانة هذا الشكل ، وضربنا منه شبها مما يضرب الطبيعيون للّه من أمثالهم إذا تناولوا البحث فيما هو من علم اللّه ، قلنا : كان من العقل . وصار إلى العقل . وليس شيء فوق العقل إلا لأنه لم يرتفع إليه بعد . لما صدرنا عن هذا العقل ، إلا بالبيان الغامض ، وبالرأي المشتبه ، وبما يكون العاقل فيه كالمتعلل أو